السيد محمد تقي المدرسي

512

التشريع الإسلامي (مناهجه ومقاصده)

هذه هي أبرز حقائق النصيحة في الحياة الدنيا ، لأنها تحتوي على عناصر مثيرة ، مثل تسلل المؤمن إلى أجهزة العدو ، ووجود ثورة إلهية ، ثم إحاطة الخطر بالقائد ، ثم هجرة القائد من البلد لكي لا يجهز على نهضته في المهد . تعالوا نتدبر في الآية الكريمة : ( وَجَآءَ رَجُلٌ مِنْ اقْصَا الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَا مُوسَى إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ ) ( القصص / 20 ) ونستوحي من الآية حقائق النصيحة التي نجدها أيضاً في النصوص التالية . 2 / وقد يكون الناصح كاذباً ، والنصيحة خديعة ، ولكنها تتلبس بذات مواصفات النصيحة الصادقة التي سبق الحديث عنها ، كالتي نجدها عند إبليس عندما دل بغرور أبانا آدم عليه السلام وزوجته على شجرة زعم أنها تثمر الخلد وملك لا يُبلى . . وحلف لهما يميناً أنه من الناصحين . لقد لبّس كذبته بكل عناصر النصيحة ، حيث زعم أنه يدلهما إلى ما هو خير لهما ؛ أي الدلالة إلى ما يضمن لهما الخلد والملك ( شهوة البقاء وشهوة الامتلاك ) ، واستخدام الإحساس بالشرف والذي كان عند أبينا آدم عليه السلام ( بصفته الانسان السوي ) ، وحيث أنه عليه السلام كان صادقاً وكان مستغرباً عنده أن يحلف أحد بالله كاذباً ، إلى درجة كذبه في مقام النصح . قال الله سبحانه : ( وَيَآ ءَادَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ * فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُرِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلآَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الخَالِدِينَ * وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ ) ( الأعراف / 19 - 21 ) 3 / ويتجلى صدق الانسان في كلمته ، وفي عمله . والصدق هو أداء حق الناس تماماً ، وحق الناس في الكلمة ألَّا يقول لهم إلّا الحق . وحقهم في الفعل بذل ما في الوسع من جهد لمصلحتهم ، كما تفعل الأم الحنون لولدها الرضيع ، وكما ينبغي أن يفعله الأخ الكبير لأخيه الضعيف عند غياب والديه عنه . من هنا أخبرت أخت موسى عليه السلام - وقد إلتقطه من اليم آل فرعون ، وحرّم الله عليه المراضع - أخبرتهم أنها تعرف أهل بيت يكفلونه وهم له ناصحون ، وكانت تعني أهل بيت موسى . بلى ؛ وأي انسان أشد عطفاً على الرضيع من والديه ؟ قال الله سبحانه : ( وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ ) ( القصص / 12 )